تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتر تابعنا على اليوتيوب تابعنا على الساوند كلاود


الرئيسية السيرة الذاتية الخطب الصوتيات المرئيات المقالات و البحوث الدورات الجامعة الصور تدبر القران الإصدارات الشهادات و الدروع المشاركات و الأنشطة

 

 
جديد الفيديو
 

 
المتواجدون الآن

 
حرمًا آمنًا
01-06-1433 08:38 PM



حرمًا آمنًا


الخطبة الأولى:

أما بعد:
فلو قيل لك أيها المبارك: إنّ هناك بقعةً من الأرض، يحيط بها الأمن، وتجللها السكينة، ما بداخلها آمِن، وما بخارجها قد يتعرض للأذى؛ ألا تتعجب من مكان هذا شأنه!؟
إذا اسمع قول ربك جلت قدرته: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: 67]، فجعل سبحانه أمن هذا البيت من أعظم النعم عليهم، ألا ترى كيف يؤمه اليوم الملايين من كل حدب وصوب، تختلف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم وحاجاتهم، ومع هذا نجد الطمأنينة هي السائدة، والأمن هو الشعار، فيا لها من نعمة غفل عنها الكثيرون، وكفر بها آخرون، ولعله لم يغب عن الأذهان -أيها الكرام- ذلك الخبر، الذي نشرته وسائل الإعلام منتصف هذا الأسبوع، الذي مفاده الكشف عن مخابئ الأسلحة والذخيرة في مدينة الرياض، وقد كان يُعدّها المعتدون لإزهاق النفوس، وترويع الآمنين، مئات الأسلحة، ومخازن هائلة من الذخيرة، وكأننا في بلد حرب لا سلام.
معاشر المؤمنين، دعونا ننظر إلى هذا المخطط التخريبي ونحن في سياق آيات الحج، ونحن نعيش أجواء الحج والتهيؤ له، لنعرف عظم الجرم، وتصادمه مع مقاصد الشرع العظيم، لعل مما يلفت النظر -يا كرام- في هذا الركن العظيم (الحج) العنايةَ بأمر الأمن، والحثَّ على الإحسان، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص : 57]، وقال سبحانه : ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران : 97]، وإنما ذكر ذلك مع الحج خصوصاً، لما فيه من تعدد الأجناس، وتباين العادات والأفكار، وما يتخلله من المشقة والتعب، وما فيه من الازدحام والتداخل، ومع كل هذا الأسباب إلا أن الله جعل الأمن هو شعاره، فكيف تسعى نفس إلى زعزعة أمن قائم، كيف تكفر بنعمة امتن الله بها على عباده، بل إن الله امتن بهذه النعمة على كفار يعبدون أصنامًا، وهم أهل مكة، فكيف يستحل هؤلاء- بعد هذا- إراقة الدماء وإخافة الناس؟ أما قال ربنا سبحانه عن قريش: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش : 4].

عباد الله، مهما كان المبرر الذي يذكرون، والأساس الذي عليه يبنون، فإن ما تم كشفه يبيّن انحرافًا واضحًا عن جادة الصواب، إذ إن هذه الأسلحة هُيّئت لترويع الآمنين، وخلخلة الأمن في هذا البلد الآمن،إن ضبط أكثر من أربعين ألف طلقة، يجعلنا نتساءل لمن ستصوّب، ومن سيكون هدفها؟ ونحن في بلد مسلم؟ يا له من مخطط تخريـبيٍّ آثم.
إنّ مَن يفكّر في فروع الشريعة فحسب، و يهمل مقاصدها؛ سيقع -ولا شك- في مثل هذا الخلل، والأمن أحد المقاصد الكبرى للدين، وكذلك حفظ النفس والمال والعقل، أفلا يدرك هؤلاء أنهم أخلّوا بهذه المقاصد كلِّها أو جلَّها؟ فقد استباحوا أموالاً، وأهلكوا ممتلكات، وروّعوا نفوسًا، وأزهقوا أرواحًا، وأشاعوا الخوف، وزعزعوا الأمن!
ما الذي ينشده هؤلاء؟ أيريدون عودةً إلى الاقتتال والاحتراب، وقطع الطريق وإخافة المسافر؟ ألسنا نعيش اليوم في أمن، ومِن قبل كنا في فرقة وخوف؟ إنّ العاقل المؤمن هو مَن يزيد رصيد الأمن والتسامح، لا مَن يشيع الخوف والتعادي.
معاشر المؤمنين، إن الإفساد في الأرض مما ذمّه الله في سياق آيات الحج التي نستفيد منها الوحدة والاجتماع، رغم كل أنواع الفروق والاختلاف، أما قال سبحانه بعد آيات الحج مباشرة عن صنف من الناس: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة : 205]؟

إننا ونحن نستشعر دروس الحج في لَمِّ الشمل؛ لَندرك تمامًا أنّ هذا لن يحصل إلا إذا تجاوزنا خلافاتِنا، ونظرنا في مقاصد ديننا العظيمة، وبدون هذا لن نجتمع، إننا نُهينا في الحج عن الجدال؛ حتى لا يكون هناك سبب للفرقة والتعادي، لقد لبسنا لباسًا واحدًا، وقصدنًا مكانًا واحدًا، وردّدنا شعاراً واحدًا، ربنا واحد، مكاننا واحد، هدفنا،كل هذا لإذهاب العداوة، وسلّ سخيمة البغضاء، ونبذ الفرقة، وبهذا - وحده- سجلنا انتصاراً مهما في الوحدة والتآلف، لكننا ما نلبث أن نتناسى ذلك، ونعودَ إلى الفرقة والخلاف .
إنّ هذه الجموع التي تأتي مكة، ليست كلها على رأيٍ واحد، بل بينها خلاف كثير في الفروع، لكن هناك مقصد نبيل لابد من الاهتمام به، وهو الوحدة العامة، والمصالح الشاملة، لهذا نجد كلمة (الناس) وهي الكلمة العامة، هي المتكررة مع آيات الحج، تنبيهًا على هذا المقصد العظيم.
معاشر الشباب، يجب أن ندرك أنّ الدين لا يسير بالعواطف، ولا يرتبط بالأشخاص، ولا بالشعارات، فلا يحسن بعاقل أنْ يُسلم عقله لغيره، يفكّر عنه، ويوجهه كيفما يشاء! وإنما المرجعية للأساسين العظيمين: القرآنِ والسنة، ثم لأهل العلم المعتبرين، الذي يدركون المقاصد، ويعرفون المصالح، حتى ولو لم يتناسب ذلك مع تقدير الشباب، وفورة الصبا، فليس ذلك بمبرِّرٍ للوقوع في الخطأ، أو مناصرة المنحرفين، وإنْ ادعوا نصرة الدّين، وأن هذا من الجهاد.

معاشر الشباب، اعلموا أنه ما شُرع الجهاد لإخافة الناس، بل لتأمينهم، ما جاء لإهلاك الناس بل لإنقاذهم، تأمل - رعاك الله- كيف أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عليًّا إلى اليهود -وكلنا يعرف مَن اليهود- ، فقال عليّ بعد أن أخذ الراية: يا رسولَ الله، أُقاتِلُهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال صلى الله عليه وسلم: "انْفُذْ على رِسْلِكَ، حتى تنزلَ بساحتِهِم، ثُمَّ ادْعُهم إِلى الإِسلامِ، وَأخبِرهم بما يجبُ عليهم مِن حق الله عز وجل فيهم، فواللهِ لأن يهديَ الله بكَ رجلاً واحداً خير لكَ من حُمْر النَّعَم" [رواه البخاري ومسلم].
تأمل كيف وجّه النبي صلى الله عليه وسلم عليًّا، وهو الشجاع المغوار؛ إلى الهدف الأسمى، وهو هداية الناس، ولو كان هذا المهديّ رجلاً واحدًا.
وتذكروا يا شباب، أنّ رسولكم الكريم عليه الصلاة والسلام، مع شجاعته الفذة، ورسالته العظيمة، وأيامه الظاهرة، لم يقتل بيده إلا رجلاً واحدًا، لأن القتل ليس هدفاً يسعى إليه، ولأنه ليس فضيلة يمنحها الله له، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، في منهاج السنة النبوية(2): "والنبي صلى الله عليه و سلم كان أكمل الناس في هذه الشجاعة التي هي المقصودة في أئمة الحرب ولم يقتل بيده إلا أبي بن خلف قتله يوم أحد ولم يقتل بيده أحداً لا قبلها ولا بعدها".

وإنما قَتَله صلى الله عليه وسلم لأنه لما انكشف المسلمون يوم أحد قام أبي بن خلف هذا، وهو يصيح بأعلى صوته شاهراً سلاحه يقول أين محمد؟ لا نجوت إن نجا، فاستأذن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يخر عليه أحدهم فيقتله، فقال: دعوه، فلما دنا تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة فطعنه بها فكانت سبب موته.
وهل علمت -أيها الفاضل- أنّ الجيوش المسلمة في عهده صلى الله عليه وسلم كانت حصيلة القتلى فيها لا تتجاوز الأربعمئة من المسلمين والكفار.
واليوم يحشد هؤلاء المخربون كل هذه الذخائر، والأسلحة المدمرة، لاستهداف المسلمين، أو المستأمنين في ديار الإسلام.
لقد علمنا رسول الهدى صلى الله عليه وسلم تأمين الخائفين، لا إخافة الآمنين، حتى ولو كان ذلك في ساحة الوغى، جاء في الصحيحين قول أحد الصحابة: "غزونا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غزوة قبل نجد، فأدركْنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -في واد كثير العضاه، فنزل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تحت شجرة فعلق سيفه بغصن من أغصانها، قال: وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر، قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن رجلا أتاني وأنا نائم، فأخذ السيف، فاستيقظت وهو قائم على رأسي، فلم أشعر إلا والسيف صلتا في يده، فقال لي: من يمنعك مني؟ قال: قلت: الله، ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟ قال: قلت: الله، فشام السيف فها هو ذا جالس لم يعرض له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"، [لفظ مسلم، وعند البخاري (ولم يعاقبه وجلس)].
إذا كان هذا هو فعله صلى الله عليه وسلم وهو المقدام الشجاع، فكيف يكون أتباعه من بعده قَتَله، يتقربون إلى الله بسفك الدماء وترويع الآمنين، ويقولون: هذا مِن الدِّين!؟

اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، برحمتك يا أرحم الراحمين.
عباد الله أقول ما سمعتم، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

_______________________________________

الخطبة الثانية:

أما بعد :
فيجب أن ندرك أن الأصل في التعامل هو الرفق واللين، والرحمة والرأفة، تأملوا - يا معاشر الشباب- أول آيات في كتاب ربنا، في الفاتحة، أم الكتاب، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، انظروا كيف أثنى الله على نفسه بهذه الصفات العظيمة: الربوبيةِ والرحمة بما فيها من دلالة الحفظ والخير والعطاء والرحمة، إنها نعمٌ نحمد ربنا عليها في كل صلاة، بل في كل ركعة، فلِمَ نتناسى خُلُق الرحمة، ونجعل شعارنا الجفاء والغلظة والأذى؟
وتأملوا كيف قال سبحانه عن رسوله محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، تأمّل صفة الرب، ثم صفة الرسول، ثم كيف كانت الرحمة شعارًا لهذا الدِّين، ثم يأتي بعض المنتسبين لهذا الدين بعد هذا كله ، ليجعلوا دين الله سبيلاً لسفك الدماء، وترويع الآمنين، بحجج واهية.
معاشر المؤمنين، لسنا أغيَر على الدين ممن شرعَه سبحانه، ولا مِن رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يحق لأحد أن يجعل نفسه قيّما على هذا الدين، فلا رأيٌ إلا له، ولا قولٌ إلا له.

معاشر المؤمنين، إننا نحتاج ونحن نعيش نسائم الحج، وفي الوقت ذاته نعايش هذه الأخبار والأحداث المؤلمة؛ أنْ نستفيد من دروس هذه الشعائر العظيمة، وعبرها الجليلة، إن الله جعل هذا البيت سبباً للالتقاء، لذا جعله آمناً، فجمع بين هذين الخصيصتين فقال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: 125]، فهذا البيت يجمَع القلوب، وفيه تأمن النفوس، بل يأمن فيه الصيد، فلا يصاد ولا ينفّر، ويسلم فيه الشجر فلا يقطع ولا يعضد، فكيف بالإنسان.
وتأمل كيف يعلمنا الله البعد عن الخطأ والأذى في قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25]، إنه تعليم لنا أنْ نعظّم هذه الشعائر، وأنْ نسعى دومًا إلى الخير والنفع، ولا شك أنّ مَن تشرّب هذه المعاني، وتلقّى هذه الدروس، لن يقدم على أذى الناس، ولا ترويعهم، لأنه قد رأى أثرَ الأمن في صورة الحج المشرقة.

اللهم أدِم علينا أمننا وأماننا، وسلامنا وإسلامنا، برحمتك يا أرحم الراحمين.
عباد الله، صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].

د. عويض بن حمود العطوي
جامعة تبوك
Dr.ahha@gmail.com

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 759



خدمات المحتوى


تقييم
1.44/10 (15 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

Copyright © 1443 alatwi.net - All rights reserved

جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور عويض العطوي - يُسمح بالنشر مع ذكر المصدر.

الرئيسية |الصور |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى

لتصفح أفضل: استخدم موزيلا فايرفوكس

 لتصفح أفضل: استخدم موزيلا فايرفوكس