تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتر تابعنا على اليوتيوب تابعنا على الساوند كلاود


الرئيسية السيرة الذاتية الخطب الصوتيات المرئيات المقالات و البحوث الدورات الجامعة الصور تدبر القران الإصدارات الشهادات و الدروع المشاركات و الأنشطة

 

 
جديد الفيديو
 

 
المتواجدون الآن

 
توبة في رمضان
01-05-1433 09:24 PM



توبة في رمضان*




الخطبة الأولى:

أما بعد:
فهل تعلم أخي الكريم أن الإنسان يولد مرتين؟ إذا خرج من بطن أمه، وإذا خرج من ربقة ذنوبه، فهلاَّ صنعنا لأنفسنا ميلادًا جديدًا، نعيش فيه حياة جديدة، حياة نظيفة طاهرة، حياة مع الله؟
إن رمضان هو فرصتنا السانحة التي تتكرر علينا كل عام، فبادِر -يا أُخيّ- باتخاذ قرارك في التوبة من ذنوبٍ أدمنت عليها، وضاع عمرك بسببها، حاربتَ فيها ربَّك، وربما تعديت فيها على حقوق خلْقِه، بادِر بالتوبة قبل حلول الأجل وانقطاع الأمل، فعمرك سنوات تمضي، كما أنّ رمضان أيام تنقضي، مضى ثلثاه، وبقيَ ثلثُه، ماذا تنتظر، إنّ باب الرجاء واسع، إن باب الرحمة مفتوح، إن باب التوبة أمامك فادخله، لا تؤجّل، فإن ربك سبحانه يفرح بتوبتك، وهو الغنيُّ عنا جلت قدرته ، قال صلى الله عليه وسلم: "لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم؛ كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح" [رواه مسلم].
يا مؤمن، هل تعرف صديقاً أو قريباً، أو صاحباًَ أو حبيباً، يفرح لك كل هذا الفرح، كلا والله، لكنّ ربك الرحيم بك، يريد الخير لك، ويفرح عندما تعود إليه، فلِمَ أنت متردد، أعن رحمة الرحيم تُحجم، أم في فضل العظيم تزهد!
إنّ ربك الكريم، يعلم خطورة الذنوب عليك، ويدعوك للتوبة ليرحمك، ليسعدك، ليبعدك عن النار، إنه يناديك بعنوان العبودية فيقول: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].

تأمّل عبد الله، لقد أسرفوا على أنفسهم في الذنوب، وغرقوا في المعاصي، ومع هذا دعاهم الرحيم إلى رحمته، ونهاهم عن القنوط، ووعدهم بالغفران، فمن يزهد في مثل هذا إلا جاحد مكابر، أو معاند ظالم لنفسه، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [الحجرات: 11].
معاشر المؤمنين، كم فينا من ظالم لنفسه، قد عرضها لعذاب الله مراراً، بإعراضه وإصراره، مع أن باب الرحمة مفتوح أمامه، ما أعظم حلم الله على خلقه، وما أكرم عطاءه سبحانه، قال تعالى في الحديث القدسي: "يَا ابْنَ آدَمَ، إنَّكَ ما دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلاَ أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغت ذُنُوبُك عَنَانَ السماءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايا، ثُمَّ لَقَيْتَنِي لاَ تُشْرِكُ بِي شَيْئاً، لأَتَيْتُكَ بقُرَابِها مَغْفِرَةً" [رواه الترمذي، وقال: حديث حسن].
يا مؤمن، رمضان فرصتك الذهبية، فالشيطان الذي يؤزّك ويزيّن لك المعصية؛ مصفّد مربوط، ونفسك الأمارة بالسوء مقبلة على الخير، وها أنت قد شاركت المسلمين في الصيام والقيام، ماذا بقي عليك، إلا أن تعلنها انقلاباً كاملاً في حياتك: من الضياع والضلال، إلى الهدى والنور، هيّا، اختر لنفسك طريق الخلاص، طريق السعادة، طريق الهناء، فوالله ما سعدِت النفوس بمثل طاعة الله، ولا اطمأنت القلوب بمثل ذكر الله.
يا مؤمن، كيف تبحث عن الراحة بطريق العناء؟ كيف تبحث عن الأنس بطريق الشقاء؟

استثمر رمضان، وإقبالَ النفس على الخير؛ لتكون في ركب التائبين من ذنب أقلقك، ونغّص عليك حياتك، وتذكر أنّ رحمة الله واسعة، وفضله عظيم "إن الله -عز وجل- يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها" [رواه مسلم].
ملجأك هو الله، وملاذك هو الله، وراحمك هو الله، تضرع إليه، وتقرب منه، فإنه الرحيم الودود، العفو الغفور:
ولما قسـا قلبي وضاقـت مذاهبي  = جعلت الرجا مني لعفوك سلما
تعاظـمني ذنبي فلمـا قـرنتـه = بعفوك ربي كان عـفوك أعظما
فما زلت غفارًا عن الذنب لم تزل = تجـود وتعفـو منـّةً وتكـرمًا
فقابل عفوَ ربِّك بانطراحٍ بين يديه، وانكسارٍ له، فإنك بهذا تغسل أدران الماضي، وتستعد لحياة جديدة نقية.
اسأل التائبين عن فرحتهم وسرورهم بعودتهم إلى ربهم، اسألهم عن الراحة التي فيها يعيشون، والأنسِ الذي به ينعمون، أين كانوا عن ذلك، لقد كانوا في جحيم المعصية، وبُؤس الخطيئة.
يقول شاب: لقد مللت حياة السآمة، مللت المعاصي والذنوب، فقررت أن أصلي في رمضان، يقول: لقد كنتُ أحس بشيء ثقيل على صدري، وهموم في الليل تطاردني، فلما صليت، شعرت بأُنْسٍ لم أشعر به طوال حياتي، أين كنت عن هذا النعيم؟! كيف أعرضتُ عن هذا الخير؟! وكان رمضان بداية الصلاح، والسير في طريق الفلاح، فهلاَّ كنتَ مثله أخي الفاضل؟

وهذا شابٌّ آخر، أدمن التدخين، ثم الحشيش، ومات أبوه وهو على هذا الحال، وعاث في الأرض فسادًا، وساءت سيرته، وكان له مع رمضان موعد، حيث راجَع نفسه، وعرف عظم جرمِه، وسوءَ صنيعه، وتذكَّر أخواته وأمَّه، فقرر الإقلاع عن المخدرات، والتوبةَ من المعاصي والموبقات، فجاهد نفسه حتى فاز بالتوبة، وربح بالرجوع إلى ربِّه.
يا مؤمن، راجع نفسك، ولا تقل ليس فيّ عيْب، ليس عندي ذنوب، فأنت بهذا تخدع نفسك، وتسيء إلى ذاتك، بل اعترف بتقصيرك، فقد تكون على كبيرة وأنت لا تعلم، وقد تكون على موبقة وأنت لا تشعر!
يا عبد الله، راجِع نفسك، لعلّك تكون ظالمًا ولو في عقر دارك، لعلك أخذتَ حقًّا ليس لك، خصوصًا حقوق الضعفاء من العمال والخدم والنساء والأطفال، قد تكون وصيًّا على أيتام فتجحد أموالهم، وقد يكون عندك عمّال أو خدم، فتأكل عرقهم، وقد تكون لك أكثر من زوجة، فلا تعدل بينهما، وقد يكون لك أولاد، فلا تعدل بينهم في العطية، وتذكّر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم سمّى ذلك جورًا، فقال للرجل الذي استشهده: "لا أشهد على جور".
انتبه لخطورة ذلك، وراجِع نفسك، فليس هناك شيء أخطر من حقوق الضعفاء!
يا عبد الله، تنبّه! فقد تكون مقارِفًا لكبيرة العقوق وقطيعة الرحم وأنت غافل لاهٍ، راجِع علاقتك بوالديك، وانظر إلى أسلوبك معهما، وانظر -رعاك الله- إلى رحمك، أَوَصَلْتَها أم قطعتها؟ وتذكّر أنّ الله قال فيها: "أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟" [رواه البخاري]، فبادر -أيها الفاضل- لجعل رمضان بداية تحوُّل في حياتك، علّك تلقى ربّك بقلبٍ سليم من الأحقاد والآفات والضغائن، ويدٍ نظيفة من الحقوق وإيذاء الخلق، ولسانٍ بريء من الوقوع في الأعراض واللعن والسباب، ومالٍ نقيٍّ من الحرام والشبهات، بهذا تكون قد استفدت من فرصة رمضان، وغيّرْتَ مسارك، وأسعدتَ نفسك.

اللهم ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، وردنا إليك رداً جميلاً برحمتك يا أرحم الراحمين.
عباد الله، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

_______________________________________

الخطبة الثانية:

أما بعد:
فلعلك –أخي الكريم- قد فكّرت في التوبة مراراً، لكنك مازلت تقدِّم رجلاً وتؤخر أخرى، تخشى من العودة في الذنب، وتفكر في زهرة الدنيا وبهرجتها.
تذكر -يا عبد الله- أنّ باب التوبة مفتوح، وأنه لا يُغضِب الشيطان شيءٌ كالتوبة والعودة إلى الله، فبادر بالتوبة كلما غلبتك نفسك، وتذكر قوله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا، لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله؛ فيغفر لهم" [رواه مسلم].
واعلم، أنّ بقاءك على الذنب، وإصرارك عليه؛ سببٌ لبعدك عن الخير وأهله، فخلّص نفسك من هذا الأسر، ونقِّ نفسك مِنْ هذا الدرَن. انظر إلى عمرو بن العاص، كيف بايع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم نزع يده، فقال صلى الله عليه وسلم: "ما لك يا ابن العاص؟" قال: أريد أن أشترط، قال: "وماذا؟" قال: أن يغفر الله ما مضى من ذنوبي. انظر حرصه -رضي الله عنه- على تنقية نفسه. فقال صلى الله عليه وسلم: "يا عمرو، أمَا علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن التوبة تهدم ما كان قبلها، وأنّ الحج يهدم ما كان قبله؟".

وعليك بتغيير الصحبة، التي كانت تغريك بالمنكر، والزم صحبة الخير، فإنهم أعظم مُعين على التوبة، قال صلى الله عليه وسلم: "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم مَنْ يخالل" [رواه أحمد والترمذي وأبو داود والبيهقي في "شعب الإيمان" وقال الترمذي : هذا حديث حسن غريب. وقال النووي: إسناده صحيح].
وأكثِر من قراءة القرآن، وتدبُّرِ آياته؛ فإنه من أعظمِ المثبّتات لك في طريق الاستقامة.
جاهد نفسك قليلاًَ أيها الفاضل، وستظفر بلذة الطاعة الدائمة، وستعرف حينها أن لذة المعصية زائلة فانية، وجدّد التوبة كلما أحدثت ذنباً، واستعن بربك، وسارع بالأوبة إليه، فقد أمرك بهذا فقال سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]، فاستجب لنداء ربك، وانكسر بين يديه، وقل:
يا رب قد عظمت ذنوبي كثرة  = ولقد علمت بأن عفوك أعظم
إن كان لا يدعوك إلا محسن = فبمن يلـوذ ويستجـير الآثم
ما لي إليك وسيلة إلا الرجا =وعظيــم عفوك ثم أني مسلم
اللهم تب علينا، واغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
عباد الله، صلوا وسلموا على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، محمد بن عبد الله، كما أمركم بذلك الله فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].

د. عويض بن حمود العطوي
جامعة تبوك
Dr.ahha@gmail.com

_______________________________________

* جامع البازعي بتبوك، 21/9/1430هـ.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 759



خدمات المحتوى


تقييم
1.50/10 (13 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

Copyright © 1443 alatwi.net - All rights reserved

جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور عويض العطوي - يُسمح بالنشر مع ذكر المصدر.

الرئيسية |الصور |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى

لتصفح أفضل: استخدم موزيلا فايرفوكس

 لتصفح أفضل: استخدم موزيلا فايرفوكس