تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتر تابعنا على اليوتيوب تابعنا على الساوند كلاود


الرئيسية السيرة الذاتية الخطب الصوتيات المرئيات المقالات و البحوث الدورات الجامعة الصور تدبر القران الإصدارات الشهادات و الدروع المشاركات و الأنشطة

 

 
جديد الفيديو
 

 
المتواجدون الآن

 
المقالات
الخطب
الربا وأخلاقيات المال
الربا وأخلاقيات المال
01-04-1433 11:05 PM



الربا وأخلاقيات المال


أمابعد

فإنه عجيب المفعول، عميق الأثر، يسهِّل الصعب، ويُقرِّب البعيد، يجمع ويفرِّق، يقصي ويدني، به يرتفع الإنسان إلى القمة، وبه يسقط ويهوى إلى الحضيض، إنه قسيم الروح كما يقال، إنه المال.
إنه المال الذي يمتلئ سمع العالم وبصره اليوم بالحديث عنه، وعن أزمته الكبرى، لأنه عصب الحياة، اهتم بأمره الفرد والجماعة، الصغير والكبير، الذكر والأنثى، الشعوب والدول.
تنوعت الطرق في جمعه وكنزه، وتباينت في صرفه وإنفاقه، ومَنْ ظن أنّ حياة الناس تقوم دون مال؛ فقد أخطأ، وجانَبَ الحقيقة، ويكفي إشارة لهذا أن المال التصق ذكره مع النفوس كثيرًا في القرآن، وخصوصًا في أمر الجهاد .
هذا هو المال الذي إذا تُرِكَت فيه النفوس دون وازع أو رادع؛ تاهَت في مفاتنه وألوانه، وهذا ما كان في الأنظمة المالية الأرضية، فهي إما كسب مطلق بحرية تامة، بكل صورة وطريق، كما هو في الرأسمالية، وبين تحجيم لحرية الملكية الفردية، فالفرد لا يملك بل الجماعة هي التي تملك، وما الفرد إلا ترس في آلة، كما هو حال الشيوعية الهالكة.

ولما كان المال بهذه المثابة وهذا الحضور وهذا التأثير؛ اعتنى هذا الدين بشأنه، وشرع الطرق الآمنة لكسبه، وحثّ على تسخيره فيما ينفع، فقال سبحانه: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: 15]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ﴾ [البقرة/267] [البقرة: 57]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي اْلأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 10].
ولكن لمّا كانت النفوس مُحِبَّة لهذا المال، متلهفة لجمعه؛ حذَّرَ الخالق سبحانه من طرق تخالف مقاصد الشرع فيه، ومنها السرقة، والرشوة، والمَيْسر، والربا.
ولعل من أعظمها حضورًا اليوم (الربا)، تلك الجريمة المالية الكبرى، والتي يستغل فيها الإنسان ضعفَ الإنسان؛ ليكبله بديون متنامية، تزيد كلما زاد ضعفه.
(الربا) إغراق للشعوب والأمم في ديون لا نهاية لها، (الربا) إغلاق لكثير من ألوان الكسب، (الربا) تربية على الكسل والرضا بالسهل، (الربا) تسهيل مالي ثم عاقبة وخيمة، (الربا) سوط الأقوياء على الضعفاء، (الربا) صورة بشعة لجشَع الأغنياء، (الربا) تدمير للاقتصاد، (الربا) أموال بلا سلع ولا عمل، ولا تصنيع ولا إنتاج. الربا هو الوجه الكالح المقابل للصدقة ، لهذا جاء عرضه مباشرة بعد عرض الوجه الطيب السمح الطاهر الجميل الودود : الصدقة والعطاء! عرضه عرضاً منفراً ، يكشف عما في عملية الربا من قبح وشناعة ، ومن جفاف في القلب، وشر في المجتمع ، وفساد في الأرض وهلاك للعباد والبلاد .

ولم يبلغ من تفظيع أمر أراد الإسلام إبطاله من أمور الجاهلية ما بلغ من تفظيع الربا، ولا بلغ من التهديد في اللفظ والمعنى ما بلغ التهديد في أمر الربا.
هذا هو الربا الذي حرّمه الله بكل صوره الظاهرة والباطنة، إنه جحيم على الأمَّة، نار على الضعفاء، لذا قَرَن الله مع ذكرهِ ذكرَ النار، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ _ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 130، 131]، وجعل سبحانه الفلاح مرهون باجتناب الربا، وهذا يعني أن الخسارة في أكله.
أرأيت –أيها الفاضل- كيف نهى سبحانه عن أكل الربا لا عن أخذه فقال: ﴿لاَ تَأْكُلُوا﴾، وذلك لتصوير جشعهم وسحتهم ونهمهم، فهم يأكلون ولا يشبعون، وما يزالون يطلبون المزيد، إنهم يأكلون عرق الناس، وجهد الناس، يأكلوا تعب المساكين والفقراء، يلتهمون حقوق المعوزين والضعفاء، ومَنْ تأمّل وجد المرابين هم أقل الناس رأفة ورحمة، وأكثرهم غلظة وشدة، لهذا عقَّب الله جلّت قدرته هذا التوجيه بذكر رحمته سبحانه فقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، ومن لايرحم لا يُرحم.
عباد الله، لقد جعل الله الربا سببًا للحرمان من الخيرات، وتحريم الطيبات فقال سبحانه: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا _ وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: 160، 161].

أفبعد هذا البيان بيان؟ أيتساءل الناس بعد هذا عن أسباب الحرمان من خيرات الأمطار، وخيرات الأشجار؟ أما علموا أن التعامل مع المال من الخطورة بمكان، أما أدركوا أنَّ أخلاقيات المال أهم من المال نفسه؟ أما آمنوا أن الربا ماحق للبركة، مذهب للخير؟
متى نتعظ ونتقي ونخاف؟ لقد جادل الكفار في أمر الربا، لأنه يوجد لهم النفوذ والتسلط، لقد خلطوا الأوراق في سبيل ذلك، وغيروا الحقائق يوم شبهوا البيع بالربا، فقالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]، إنها كلمة يراد بها تسهيل جريمة الربا، وتسطيحُ خطورته، والقولُ بأنه أمر عادي، أمر مقبول، لا خلاف فيه ولا جدال، لذا قالوا: ﴿إنما﴾، ولم يقولوا: ما البيع إلا ربا، وهذا التسطيح والتهوين لأمر الربا نلحظه اليوم في صور التحايل، والتسهيلات البنكية في القروض وبطاقات الائتمان وغيرها، كما أنهم جعلوا الربا هو الأصل والبيع مثله، وهذا ما تسعى له المادية الحديثة، فالربا هو أصل المعاملات عندهم، وقد أقنعونا أن المصارف لا يمكن أنْ تنفك عن الربا، لذا أصبح البيع فرعًا، أصبح البيع مقبولاً كلما اقترب من الربا، إنها شنشنة الجاهلية ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾، ثم حسم الله الأمر، وبيّن الأصل من الفرع، والحكم في كل نوع، ولم يدع ذلك لنبي مرسل، ولا لعالم مجتهد، بل قال سبحانه في وضوحٍ وبيان: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275].

إن هذا الإيضاح والتبيين للبيع والربا، وبيان المفارقة الواضحة بينهما؛ لهوَ إشارة بيِّنة في وجوب بيان كل طريق منهما، وهذا ما جاء تفصيله على لسان نبي الهدى صلى الله عليه وسلم، وما أوضحه بعد ذلك مصابيحُ الدجى من أهل العلم والتقى، وعلى هذا، فلا يعني الحديث عن الربا وخطره إغلاقُ أبواب الكسب، وسدّ طرق العمل وتحجيمها، كلاَّ، بل المراد النظر في مقاصد هذا الدين الحنيف، وتبيين الحق من الباطل حتى نَخرج للعالم بنظام متكامل واقعي، يصلح بديلاً للنظم الوضعية في أعظم الأمور التصاقًا بحياة الناس ألا وهو المال، ونغيرَ مفهوم علاقة الناس بالمال، فبدل أنْ تكون علاقة طلب وأخذ، لابد أنْ تنشأ معها علاقة عطاء وتعبد لله تعالى.

كما أنّ في هذا إجابة على سؤال يتبادر إلى الأذهان: ما الفرق بين قرض ربوي بمائة ألف، وتسدد مائة وعشرة آلاف؛ وبين شراء سيارة بمائة وأربعين ألفًا مؤجلة، وقيمتها النقدية مائة ألف؟ بل إن القرض الربوي أوفر بالنظرة الأولى، ومِنْ هذا ندرك سرّ ذكر البيع في مقابل الربا، الربا بيع للمال بالمال، فلا يستفيد إلا المرابي، وأما المقترض فإنه وبال عليه مع الزمن، بينما البيع بالأجل تتوسط فيه سلعة، وإذا سَلِمَت السلعة من التدوير، فإنها تتسبب في حركة تجارية كبرى، حيث سيكون بسببها شراء ومتاجرة، وتصنيع واستيراد، وهذا كله يحتاج إلى موظفين، فهذه المائة ألف في الربا استفاد منها واحد فقط، وهو المرابي، حيث كسب عشر آلاف، بينما في البيع استفاد البائع، والذي اشترى السلعة، والذي صنعها، والموظفون الذين عملوا في كل هذه المراحل.

عباد الله، الاقتصاد الإسلامي مبني على تشغيل المال، لا على مداولته، مبنيٌّ على الإنتاج، لا على الديون.
لهذا لابد لنا بصفتنا أفرادًا أنْ نسهم في قوة الاقتصاد الإسلامي بدعمه، وعدم الرضا بغيره، فأنت الذي تختار ما تشاء من المعاملات، فإذا قاطع المسلمون المعاملات الربوية؛ اضطرت المصارف راغمة للانصياع لمطالب الأفراد، وعملت على أسلمة عمليات البيع والمتاجرة والاستثمار، كما هو حاصل الآن، حتى غزت الصيرفة الإسلامية أسواق لندن وطوكيو وواشنطن.
إنها موعظة – كما وصفها الله سبحانه- فمن أخذ بها نجا، ومَنْ لم يأخذ بها فقد قال سبحانه: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 275]، ألا يزلزل هذا الوعيد كياننا؟ وتقشعر منه أبداننا؟

ثم بيّن سبحانه نتيجة الربا لمن أصرّ عليه فقال سبحانه: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: 276]، يا عبدالله توجد كلمة مثل كلمة (يمحق) لتصوِّر آثار الربا؟ إنها الكلمة التي تصوّر محْو كل المكتسبات الوهمية الربوية، حتى لا يبقى منها شيء، وقد يكون هذا المحق في البركة، فيكون المال وبالاً على صاحبه، فهو دومًا في كوارث وأمراض ومصائب، وقد يكون ذلك بجائحة تذهب بماله كلّه، وهل ما حدث لدينا في أسواق الأسهم، وما يحدث في العالم اليوم إلا لون من ألوانِ المحق بسبب جريمة الربا؟
ومع الذم الشديد للربا؛ يمدح الله الصدقات، ويضمن زيادتها فيقول سبحانه: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾، وما أجمل المقابلة بين (يمحق ويربي)، فهذه إزالة، وتلك زيادة، وهذه نقص، وتلك نماء، وهذه سحت، وتلك بركة.
ياعبدالله، الصدقة عطاء وسماحة ، وطهارة وزكاة ، وتعاون وتكافل ، والربا شح وقذارة، ودنس وأثرة ، الصدقة نزول عن المال بلا عوض ولا رد، والربا استرداد للدين ومعه زيادة حرام مقتطعة من جهد المدين أو من لحمه ، من جهده إن كان قد عمل بالمال الذي استدانه فربح.. ومن لحمه إن كان لم يربح أو خسر ، أو كان قد أخذ المال للنفقة منه على نفسه وأهله .

فبأي الطريقين نأخذ؟ وبأي الكلامين نؤمن؟ وبأي الوعدين نصدق؟
وبعد بيان هذا الأثر الماحق للربا ومكاسبه، يتساءل الناس -كما هو حالهم اليوم- ماذا نفعل؟ لقد عرفنا وأدركنا الآن خطورة الربا؟ فيأتي الجواب من الله واضحًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 278]، فهل تنبهت –أيها المؤمن بربِّه- إلى تكرار الإيمان في هذه الآية العظيمة أكثر من مرة، فقد جاء أولاً: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ وصفًا للمؤمنين، ثم جاء ثانيًا معلقًا بترك الربا ﴿إنْ كنتم مؤمنين﴾، فهل يعقل أن يعلِّقَ المؤمن إيمانه بمالٍ فانٍ؟
وإنْ لم يحرك دافع الإيمان أصحابه إلى ترك الربا بكل صوره وأشكاله، فهنا تأتي الآية المرعبة، والوعيد الشديد، الذي لا يمكن أنْ يطيقه البشر، ولا أنْ يتحمله الإنسان: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [البقرة: 279].

إنه الإيذان بالحرب، والإيذان هو الإعلان، إنها حرب معلنة، ولكنها هذه المرة من مالك الأرض والسماء، إنها هذه المرة من الخالق المدبِّر، ومَنْ له قِبَل بمحاربة الجبار سبحانه؟ إنها آية تخلع القلوب، وتزلزل الكيان.
ومع هذا الوعيد كله، يجعل الحق سبحانه سبيلاً للتوبة والرجوع والتصحيح بما لا يضر صاحب المال، وهو في الوقت ذاته تخفيف عن أخيه الإنسان فيقول: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 279].

اللهم ارزقنا التوبة والإنابة، والقناعة والسماحة، برحمتك يا أرحم الراحمين.

عباد الله أقول ماسمعتم وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.

____________________________________________
الخطبة الثانية:

أما بعد

فمما يلفت النظر، وثير الانتباه، مجيء آية الإنظار والتصدق بعد آيات الربا كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 280]، فقد يتساءل متسائل ما علاقة ذلك بالربا؟ وما سرّ تعقيبها بعد آية المحاربة على وجه الخصوص؟
إنَّ هذه الآية تُعلّمنا أخلاق المال، تُعلّمنا المبادئ، تُعلّمنا كيف نعبد ربّنا، تُعلّمنا العطاء، فلمَّا كان الربا كله أخذ وسُحتٌ وطمعٌ وجشعٌ، وتسلط وتعالٍ وإيذاء؛ جاءت هذه الآية لتُربّي النفوس المسلمة على التسامح والعطاء، والتصدق والتجاوز، فاشتملت على أمرين: الإنظار والتصدّق، ورسمت حالة كثيرًا ما يصطاد بها المرابون زبائنهم، وهي الحاجة، وأشدها أنْ يقع الإنسان تحت ضغط الدين، ولا يستطيع السداد؛ فيكون معسرًا، عندها يبحث عن أيّ سبيل للخلاص مما هو فيه، فيعمد إلى علاج الديْنِ بالديْن، ومِنْ ذلك سبيل الربا.

فبيّن سبحانه بعد الوعيد الشديد ما الذي ينبغي فوق ترك الربا والتوبة منه، إنّ الذي ينبغي هو الإنظار للمعسر حتى ييسر الله عليه، وإنْ كان صاحب المال قادرًا؛ فمِنْ الخير والكرم، العفوُ والصفح والتجاوز ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
فهل هذا واقع؟ أين نحن من هذا الخُلُق المالي العالي؟
وفوق هذا الملمح الخلقي النبيل، هناك ملمح اقتصادي، وهو أنّ أخْذَ المعسَرين وسجنَهم، والتضييقَ عليهم؛ يولِّد مشكلات لا حصر لها، فهو إنْ سُجِنَ ضاعت أسرته، وإنْ حُجزت أملاكه تعطَّل إنتاجها، وتسرَّح موظفوها، فنكون قد أغلقنا أبوابًا من الزرق كثيرة، فالإنظار أعظم وأحسن دنيا وأخرى، ولكن لمن فهم ذلك!

وإنَّ مِنْ الملامح اللطيفة في المال وأخلاقياته، ارتباطه المتكرر بالتقوى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 278]، ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ _ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: 280، 281]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: 130].
وبعد النهي عن الربا قال سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَاْلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]، وكان أول أوصافهم ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴾ [آل عمران: 134].

وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ وقال سبحانه ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى _ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى _ وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى _ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى _ وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: 5-21].
إن هذا الارتباط العجيب المتكرر بين التقوى والمال يجعلنا ندرك أنّ مِنْ علامات التقوى وحقائقها: كيفية التعامل مع المال، فعليك أيها المؤمن بربه، المتقي لخالقه، قبل أنْ تعقد صفقة، تأمل أهذا يُرضي الله؟ أهذا فيه ضرر؟ أهذا مما يليق بالتعامل الإنساني الآدمي؟ أهذا حرام أم حلال؟ إن هذه الحساسية والخوف هي التقوى التي نحتاجها.

عباد الله،إن المال اختبار لنا، فيمكن أنْ نصلي ونكثر في المساجد وفي الحج أيضًا، لكننا عند التعامل بالمال يسقط كثير منا، ويتهاوي العديد منا في اختباره بمجالاته المتعددة؟ في التجارة، في البيع والشراء، في الشراكة، في القروض، فهل وعينا ذلك، ووقفنا معه؟.
ومِنْ ملامح أخلاقيات المال أيضًا، الدعوة الدائمة إلى تحريكه بالعطاء، ومَنْ تأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «المكثرون هم الأسفلون، إلا من قال بالمال هكذا وهكذا وهكذا وهكذا». أمامه وعن يمينه وعن شماله وخلفه. [رواه أحمد].
ونجد مصداق ذلك في كلام الله، فلا توجد خلّة تعددت صورها ومجالاتها وحالاتها كالإنفاق، فقد استغرق الزمان للهيئة والطريقة والحالة، فقد قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة: 274]، فهذا استغراق للزمان، ﴿سِرًّا وَعَلاَنِيَةً﴾ وهذا استغراق للهيئة والطريقة،: ﴿ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران: 134]، وهذا استغراق للحالة.

والصدقة بهذه الصورة الشاملة تحريكٌ للمال الراكد في منافع الناس، ولك أنْ تتخيَّل -أخي المسلم- عندما يكنز الناس أموالهم، لا تجارة، لا صناعة، لا إنتاج، وتبلغ بمجموعها ألف مليار على سبيل المثال، كم سيستفيد منها وهي مكنوزة؟ لن يستفيد منها أحد إلا أصحابها، لكن عندما تُخرج وتعطى للمستحقين، كم سينتفع بها مِنْ أناس؟ وعندها ستحرك الزكاة الواجبة والصدقات العامة ركود المال، حيث يخاف صاحب المال من ذهاب ماله بالصدقات والزكوات، فيعمد إلى إنمائه وتشغيله، وهذا ملمح لطيف للحث على الإنفاق، عندها يتحرَّك المال، ويكثر التصنيع والمتجارة، ويكثر الموظفون والسلع، ويستفيد الناس والمجتمع، وهكذا شرط الإسلام على أتباعه أن يلتزموا في تنمية أموالهم وسائل لا ينشأ عنها الأذى للآخرين ، ولا يكون من جرائها تعويق أو تعطيل لجريان الأرزاق بين العباد ، وأن يحصل دوران المال في الأيدي على أوسع نطاق: كما وجه الحق تبارك وتعالى بذلك فقال:{ كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم }، وهذا هو الحاصل اليوم، فإنه بعملية رياضية ( غير متناهية ) يتضح أن جميع المال في الأرض صائر إلى عدد قليل جدا من المرابين.

ولو فهمت الأمة ذلك لقدمت نموذجا فريدا في استثمار المال لخدمة الإنسان لا لاستعباده، فالتاريخ يذكر كيف استطاع عمر بن عبدالعزيز في خلافة دامت سنتين وخمسة أشهر أن ينهي كل صور الركود الاقتصادي، ويبيد كل صور الفقر والحاجة، في مساحة جغرافية هائلة تشمل كل الدول العربية والإسلامية الحالية، حتى لم يبق فقير يأخذ الزكاة, ولا محتاج يمد يده ماذا يعني ذلك؟
إنه يعني أن الناس عملوا واكتسبوا، فاستغنوا عن الصدقة، إنه يعني تحريك المال في سبيل المنفعة العامة، لا حكره على مخصوصين، إنه يعني العدل، إنه يعني الحل الإسلامي لأزمات المال والأحوال.

اللهم أغننا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك، برحمتك يا أرحم الراحمين.
عباد الله، صلوا وسلموا على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، محمد بن عبد الله، كما أمركم بذلك الله، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].

د. عويض العطوي
جامعة تبوك
Dr.ahha1@gmail.com

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 479



خدمات المحتوى


تقييم
1.48/10 (13 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

Copyright © 1441 alatwi.net - All rights reserved

جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور عويض العطوي - يُسمح بالنشر مع ذكر المصدر.

الرئيسية |الصور |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى

لتصفح أفضل: استخدم موزيلا فايرفوكس

 لتصفح أفضل: استخدم موزيلا فايرفوكس