تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتر تابعنا على اليوتيوب تابعنا على الساوند كلاود


الرئيسية السيرة الذاتية الخطب الصوتيات المرئيات المقالات و البحوث الدورات الجامعة الصور تدبر القران الإصدارات الشهادات و الدروع المشاركات و الأنشطة

 

 
جديد الفيديو
 

 
المتواجدون الآن

 
المقالات
خطب المناسبات
حسن الظن بالله وقت الفتن
حسن الظن بالله وقت الفتن
10-18-1434 10:02 PM



حُسن الظن بالله وقت الفتن*


الخطبة الأولى:

أما بعد:
فصعب أن ننهاك -أيها المؤمن- أن يحزن قلبك، ويعتصر فؤادك على ما ترى من آلام المسلمين وجروحهم، من غير المقبول أن نطلب منك أن تتجاهل جثث القتلى، والأطفال الموتى، دون أن تذرف لك دمعة، أو يتوجع لك قلب، أو يحزن لك فؤاد.
إنَّ مَن فقد الإحساس بذلك؛ فَقَدْ فَقَدَ الإنسانية، وليس لديه قلب ولا مشاعر، إن العاقل اليوم يتساءل أين إنسانية الإنسان التي عنها يتحدثون، وحقوقُ الإنسان التي بها يتشدقون؟ أين هي عن جرائم لم يُشهد لها مثيل، أطفال بين مشوه وجريح وقتيل!
أين كرامة الإنسان التي حباها الله لكل الخلق ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70] بغض النظر عن جنسهم، أو نوعهم ، أو بلدهم!
إننا لا نجاوز الحقيقة إذا قلنا إنّ زماننا هذا، حصل فيه من الهتك لحقوق البشر والتنكيل؛ ما لم يحصل مثله من قبل، إنه زمن كثرت شعاراته وقلّت تطبيقاته.
أيها المؤمن، وأنت تعيش هذا الواقع المؤلم الذي تتشتت فيه الأذهان، واختلط فيه الحق بالباطل، وكثرت فيه الأقوال، وقلّت فيه الأعمال، ما شأنك، ما موقفك؟
كثير من الناس اختلطت عليه الأمور، وتعاظمت في نفسه الأحزان، حتى خالطه الشك، وداخله اليأس، وهذان مرضان فاتكان خطيران، يقودان صاحبهما إلى الهلكة والعطب.
أيها المؤمن بربّه، في خضم هذه الأحداث، وبين ركام النقولات والأخبار، وعند اشتداد البلاء والمحن، وحدوث النكبات والفتن، عليك باللجوء إلى الله، والاعتصام بحبله، والوثوقِ بنصره، فلن يحدث شيء في هذا الكون إلا بأمره سبحانه.
كم رأينا من عروش تتهاوى، وأخرى تتعالى، عِزٌّ وذل، فقر وغنى، أذلك بمقدور البشر؟ كلا، فالأمر لله من قبل ومن بعد، يعز من يشاء، ويذل من يشاء، ومالنا إلا فعلُ الأسباب إن كان بمقدرونا ذلك.
إننا إذا أدركنا أننا لسنا أغيرَ من الله على دينه وأوليائه؛ علمنا ضرورة حسنِ الظن بربنا في مثل هذه الأحوال التي يكثر فيها القلق، وتظهر فيها الفرقة، ويبين فيها الخلاف، ويتسلل فيها اليأس إلى القلوب، وتذهب فيها النفس حسرات.
أيها المؤمن بربّه، إن الثقة بموعود الله من أهم دلائل الإيمان في قلبك، لذا قال الله تعالى عن الحائدين عن هذا الطريق: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: 154]، وقال عن الكافرين والمنافقين: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح: 6]، انظر إلى عاقبة أمرهم، أمّا مَن أحسَن الظن بربه فلن يضيعه الله.
وقد قيل: استعمل في كل بلية تطرقك حسنَ الظن بالله في كشفها، فذلك أقرب إلى الفرج.
دعونا -يا كرام- ونحن نعيش هذه الأحداث والآلام نتذكر قول إبراهيم -عليه السلام- لقومه: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: 87]، عُد إلى نفسك الآن أيها الفاضل وتساءل: ما ظنك بربك وأنت تعيش وترى وتسمع، ما ظنك بربك الذي له مقاليد السموات والأرض، ما ظنك بربك الذي إذا أرادَ شيئًا قال له كن فيكون، ما ظنك بربك الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء، ما ظنك بربك الذي إليه مرد كل شيء ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: 4].
ما ظنك بربك الذي نصر الخليل بالنار، وأهلك عدوّه ببعوضة، ونصر الكليم بالعصا، وأهلك عدوّه بالماء!
إذا ادلهم الخطب، وحان الحَيْن، عظم حسن الظن بالله، هذا كليم الله موسى -عليه السلام- لما أحاط به الخطر، عدوٌّ وماء، فقال أصحابه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: 61]، فقال هو: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62]، ولما أحاطت قريش بالغار ورسولنا المصطفى -صلى الله عليه وسلم- فيه، قال أبو بكر: يا رسول الله، لو نظر أحدهم موطئ قدمه لرآنا، فقال صلى الله عليه وسلم في ثقة وحسن ظن بالله: "يا أبا بكر، لا تحزن، إن الله معنا"، وقت المحنة يقول له: لا تحزن، فحريّ بنا أن نجدد الأمل في نفوسنا، ونقوي ثقتنا بربنا حتى نستبشر ولا نيأس.
يقول ابن مسعود -رضي الله عنه-: "والذي لا إله غيره، لا يُحسن عبدٌ الظنَّ بالله عز وجل، إلا أعطاه الله ظنه، ذلك بأن الخير كله بيديه سبحانه وبحمده".
وحسن الظن بالله يعني الثقة الكاملة بما عند الله، مما يدعو الإنسان إلى حسن العمل، يذكر الفضيل بن عياض أن حسن الظن بالله يعني: أن يؤمل العبد أنه إذا استغفر ربه غَفَر له، وإذا تاب تاب الله عليه، وإذا دعا الله أجابه، وإذا استكفى بالله كفاه.
عباد الله، إذا كنا نحسن الظن بربنا وقت الرخاء، فحُسن الظن به سبحانه في مثل ما عليه المسلمون اليوم من باب أولى، كيف لا نحسن الظن به سبحانه وهو القائل: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47]، والقائل: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40].
عباد الله، لا بد أن ندرك أن التمحيص بالبلاء من سنن الله الماضية، فلسنا أعظم إيمانًا من الرسل، ولا أكمل أعمالاً من الأنبياء، ومع ذلك عظمت عليهم الشدائد، واشتد بهم الكرب، وتأخر عليهم النصر، وهم صفوة الخلق، وأعظم الناس قدرًا عند ربهم، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: 110].
يا لها من صورة رهيبة، ترسم عظم الكرب وشدة الضيق في حياة الرسل الكرام، وهم يواجهون طغيان الكفر، لقد دعوا وصبروا ولم يجبهم إلا القليل، والباطل يقوى ويعظم وهم ينتظرون، حتى إذا وصلوا إلى مرحلة حرجة جاء النصر، إنها اللحظة التي تنقطع فيها الأسباب المادية، ويخلص فيها الأمر للخالق سبحانه، هنا يأتي النصر ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾، ولا بد من هالك وناجي، ولكن ذلك كله لله ﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف: 110]، وأما المجرمون، فلهم بأس الله الشديد ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف: 110].
يا أيها المؤمن بربه، الاستعجال من أعظم الآفات التي يصاب بها الشعوب والأفراد، فيحصل بسببها الاجتهاد الخاطئ، والتسرع المذموم، ثم اليأس والقنوط.
نوح -عليه السلام- يبقى ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعو قومه ليلاً ونهارًا، سرًّا وجهارًا، ولم يجد إلا الصدود والنكران، والجحود والهجران، والاستهزاء والعدوان، وكانت النتيجة ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: 40]، وبعد كل هذا العمر، وكل هذه السبل يسلم الأمر إلى ربه، ويتنصّل من كل حول وقوة ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: 10]، فكان الجواب أن سَخّر الله قوى السماء وقوى الأرض في آنٍ واحد ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (14) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (15) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (16) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: 11 - 18].
هكذا هي سنة الله في مدافعة الباطل ونشر الحق، فلا تنتصر دعوة بتكليف يسير وعمل هين، بل ببذل كل سبب ممكن، حتى إذا انقطعت الحيل، حصل النصر.
إن انقطاع السبل البشرية مبشِّرٌ بمدد الخالق سبحانه، ولن يصبر على مثل هذا إلا الأخيار الذين اصطفاهم الله، وعلى عتبات هذا التمحيص يتساقط الأدعياء، وتنكشفُ الأقنعة، ويميز الله الخبيث من الطيب، فظنوا -أيها المؤمنون- بربكم خيرًا.
عباد الله، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

_____________

الخطبة الثانية:

أما بعد:
يا من اختلطت عليه الأمور، وتكاثرت عليه الأحزان، وآلمته الحوادث، ضع نصب عينيك هذه الحقائق:
تذكر دائمًا أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، فلا تتعب نفسك في التحليل والتأويل.
أن هذه الفتن مهما اشتدت فهي تمحيص يميز الله به الخبيث من الطيب.
أن الله أغْيَر منا على دينه وعلى أوليائه، فظن بربك خيرًا.
كف لسانك عما لا تعلم، ودع ذلك للعلماء الراسخين.
اجتهد في إصلاح نفسك ومن تعول بالعبادة والطاعة، فالعبادة في الهرج والفتن كهجرة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-.
لا تتبع الشائعات والأخبار، وتبني عليها أفكارًا وتصوّرات، فَقَلَّ اليوم مَن يَصدُق.
اجتماع الكلمة ووحدة الصف من أهم مقاصد الشريعة، فإياك أن تكون سببًا في خلخلتها.
لا يفتر لسانك عن الدعاء بصلاح المسلمين وجمع كلمتهم وتوحيد صفهم، ورفع البلاء عنهم.
أكثر من قراءة القرآن وتدبر آياته.
اسأل أهل العلم والدراية فيما أشكل عليك.
أيها المؤمن، المُلك مُلك الله، والأرض أرض الله، والخلق خلق الله، ولن يكون شيء في ملك الله إلا بأمره سبحانه، وعليك بنفسك فإن الله وعدنا وعدًا لا يُخلَف فقال: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]، ومشكلتنا أننا ننظر دائمًا إلى الثاني وننسى الأول، ننظر إلى ﴿يَنْصُرْكُمْ﴾ وننسى ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾ الذي معناه أن نمتثل أوامره ونترك نواهيه، ونقف عند حدوده، فكل منا حسيب نفسه.
عباد الله، صلوا وسلموا على محمد بن عبد الله، كما أمركم بذلك الله، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].

_______
* ألقيت هذه الخطبة في جامع البازعي بتبوك، في 16/10/1434هــ.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 714



خدمات المحتوى


تقييم
1.24/10 (7 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

Copyright © 1440 alatwi.net - All rights reserved

جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور عويض العطوي - يُسمح بالنشر مع ذكر المصدر.

الرئيسية |الصور |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى

لتصفح أفضل: استخدم موزيلا فايرفوكس

 لتصفح أفضل: استخدم موزيلا فايرفوكس